إخوان الصفاء

41

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في غرض رباط النفس الجزئية بالجسد الجزئي فنقول : اعلم انما ربطت الأنفس الجزئيّة كيما تكمل بالرياضة وتخرج ما في جوهرها من الحكمة والصنائع والفضائل من حد القوة إلى حد الفعل لتتمّ الهيولى الجزئية ، وتكمل هي أيضا ، ويتشبه ذلك الجزء بالكل ، وهو أن تتعلم النفس الجزئية السياسة والتدبير والتهذيب بالأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة والأعمال الزكية والمعارف الحقيقية . وهكذا تشبّه الجزء بالكل كما قيل في حد الحكمة إنها التشبّه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية . وإذا بلغت النفس الإنسانية إلى أقصى مدى غاياتها ، وكملت بما أظهرت من الفضائل وهدم الجسد ، نقلت هذه الأنفس بعد مفارقة الجسد إلى حالة أخرى ونشوء آخر أعلى وأشرف من هذا الجسد المؤلّف من اللحم والدم والأخلاط الأربعة القابلة للكون والفساد كما قال اللّه تعالى : « وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ » . ثم إن اللّه ينشئ النشأة الآخرة ، فتكون نسبة تلك الحال التي تنقل إليها النفس بعد مفارقة الجسد بالإضافة إلى هذه الحال كنسبة حال الجسد في الرّحم إلى الحال التي نقل إليها بعد الولادة من فسحة هذا العالم وطيب نسيمه وإشراق نوره بالإضافة إلى ظلمة الأحشاء والمشيمة والرّحم التي هي ثلاث ظلمات . ثم اعلم أن النفس لا تحس تلك الحال التي تنقل إليها إلا بعد مفارقة الجسد ، كما أن الجنين لا يحس بأحوال هذه الدنيا إلّا بعد الولادة . فمن أجل هذا قال النبي ، صلى اللّه عليه وآله : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، وإنما نومهم غفلتهم عما بعد الموت . فإذا جاءت سكرة الموت بالحق التي هي مفارقة النفس الجسد ، وعاينت الحقيقة التي كانوا بها يوعدون كما قال اللّه تعالى : « فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » . وقال لنبيه ، عليه السلام : « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ »